محمد هادي معرفة
404
التفسير الأثري الجامع
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي - رحمه اللّه - : وقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ قيل فيه وجهان : أحدهما - تذهب به على وجه التكفير ، إذا كانت المعصية صغيرة . والآخر - أنّ المراد بالحسنات التوبة ، تذهب بالسيّئة أي تسقط عقابها . لأنّه لا خلاف في سقوط العقاب بالتوبة . قال : وقد قيل : إنّ الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيّئات ، فكأنّها ذهبت بها « 1 » . وهذا الّذي ذكره الشيخ أخيرا يصلح وجها ثالثا لتفسير الآية الكريمة ليصير معنى الآية - واللّه العالم - : أنّ المواظبة على الأعمال الصالحة ، والإتيان بالخيرات والرغبة في الحسنات ، لممّا يزيد في التوفيق ويبعث على ترك السيّئات واجتناب الشرور والمفاسد طبعا ، إذ كلّما ازدادت رغبة الإنسان في جهة ازداد بعدا عن جهة أخرى مخالفة لها . والنفس البشريّة سريعة التعوّد على الحالة الّتي أنست بها ، والطريقة الّتي سلكته في الحياة إمّا صلاحا أو فسادا . فالإنسان الّذي يزاول أعماله في جوّ صالح تراه لا يفكّر إلّا في خير ، ولا يتأتّى منه ارتكاب شرور حسبما ألفه من صلاح . وهكذا العكس ، الّذي يزاول أعماله في جوّ فاسد لا يفكّر إلّا في شرور وآثام . وهي طبيعة ثانويّة للإنسان تحصل على أثر المرونة والإلف . وعليه فقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني : أنّ مرتكب الحسنات المتعوّد عليها ، لتبلغ به عادته تلك الحسنة ، إلى حيث تنمحي عن حياته السيّئات فلا يرتكبها بحسب إلفه وعادته على الصلاح ، فيا لها من عادة حسنة ونعمت ! قلت : وإنّ في الصلاة - خصوصها - لأثرا تربويّا نفسيّا ليس في سائر العبادات ، إنّها تجسيد لمقام العبوديّة تجاه المعبود العظيم ؛ إنّ العبد إذا وقف بين يدي مولاه في الصلاة ، ليشعر بضآلة موقفه تجاه ربّ العالمين ، يرى من نفسه ذلك المحتاج الفقير العاجز الحقير ، واقفا بين يدي مولاه الغنيّ المقتدر العظيم ، ضارعا إليه خاشعا متواضعا ، سائلا راغبا ، طالبا عنايته ورأفته ورحمته . ومن أمعن النظر في مقاطع سورة الفاتحة وسائر أفعال الصلاة وأذكارها ليتجلّى له هذا الموقف الخطير وتلك الصلة الوثيقة الّتي تربط العبد المؤمن إلى مولاه الكريم . ومن ثمّ كانت الصلاة معراج المؤمن ! والعبد المؤمن إذا كان يعاهد مولاه كلّ يوم خمس مرّات في تلك الخشية والخضوع ، والرغبة
--> ( 1 ) التبيان 6 : 80 .